ابن حمدون
146
التذكرة الحمدونية
الأهل تمويها على الأولياء ، واجتذابا لهم إلى الازورار والالتواء ، ولم يعلما أنّهما في ذلك يستهيجانهم فضل استهاجة ، ويستزيدان من استثارتهم لدفعهما لما يعتقدونه في طاعتي من مصارمة كلّ مصارم لي وإن مسّ نسبه ، وعداوة كلّ معاد وإن قرب منتسبه ، ولأنهم كانوا يلقونها لو تركا هذا الاعتزاء ، واطَّرحا هذا الانتماء ، بالقليل من الفكر فيهما ، والكثير من الاستهانة بهما ، فكأنّهما بما لجآ إليه من تلك الدعوى الباطلة ، إنما استكثرا من حتفهم ، واستوفرا من بأسهم ، كل ذلك زلل في الرأي وخلل ، وخطا في التدبير وخطل ، فما تركت مع أول معرفتي بما فعلاه التمسك بالمعتقد الصحيح ، والجري على الخلق السجيح ، أن تقدمت إلى أبي الريان حمد بن محمد - أدام اللَّه عزه - بمكاتبتهما بما دعيا فيه إلى رشدهما ، واستنزلا به عن مركب غيّهما ، وعرّفا أنّي أسعفهما بشيء إن كانا يسألانه ، وأجيبهما إلى ما تجوز الإجابة إليه مما يلتمسانه ، إذا تلافيا ما أقدما عليه ، وعفّيا على ما أجريا إليه ، فما ازدادا بذلك إلَّا إصرارا على المنافرة ، واستبصارا في المجاهرة ، اغترارا بقوتهما ، وكانت ألوفا من الرجال ، وبمن التفّ إليهما من عشائر السواد ودعّار البلاد ، وهم نحو عشرين ألف رجل . فأمرت حينئذ أبا الريان بالانتقال في مخاطبتهما عن التأنّس إلى التحمّس ، وعن التلطَّف إلى التعسّف ، تقديما للنذر ونبذا للعذر ، زمجرة الليث قبل الافتراس ، ونضنضة الصلّ قبل الانتهاس ، وانباض النابل للنذير ، وإيماض السائف للتحذير ، فأبيا إلَّا تهافتا على الشرّ ، كتهافت الفراش على الشّهاب ، وهجوما على الأولياء كهجوم النّقد على ليوث الغاب . منها : وتقدّم أبو مزاحم بجكم الحاجب في عقد جسر على الفرات حتى عبر ، فاصطكّ الجمعان ، وتطاعنا وتضارب الفريقان ، واشتدّت المعركة ، واحتدمت الملحمة ، ثم أسفرت العاقبة ، وانجلت العجاجة ، عن فقد ابن الجحيش هذا مرتثّا بضربات قد أثخنته ، وقتل ألوف من أصحابه ، وأسر كثير من أبطاله ،